أول أيام عيد الفطر المبارك

Shawaal Mondgeburt 1432 n. H. 2011 n. Ch.

الثلاثاء الثلاثين من أغسطس 2011 أول أيام عيد الفطر

السلام عليكم و رحمة الله

تفضلوا بيان الهيئة المرفق

ٍSehr geehrte Leserschaft,
in obiger Angelegenheit erhalten Sie die alljährliche Stellungnahme des RIGD.

MfG
wa assalam

RIGD

 بسم الله الرحمن الرحيم

التأصيل الشرعي لموقف هيئة العلماء والدعاة بألمانيا

من قضية بداية ونهاية شهر رمضان في ألمانيا

 

لم يعد مناسبا الاستمرار في طرح هذه القضية على الساحة الأوربية كل عام، بعد أن عقدت المؤتمرات والندوات وكتبت البحوث والكتب والمقالات حولها، كما لم يعد مقبولا استمرار الاختلاف في الصوم والإفطار بين المسلمين في أوربا على وجه الخصوص، أو داخل القطر الأوربي الواحد من باب أولى، وإن قبل تجاوزا في بعض البلدان العربية والإسلامية؛ لأن الواقع الأوربي خال من الضغوط السياسية التي قد ترد في بعض البلدان العربية، فليس هناك مانع واحد يمنع التوحد والاتفاق في الصوم والفطر، كما أن الأضرار التي تلحق المسلمين في الغرب بعدم الاتفاق على الصوم والفطر كثيرة متعددة، وآثاراها السلبية في كل اتجاه حقيقة واقعة، فكيف نقدم للآخر معنى الوحدة والاعتصام في الإسلام الذي أكدت عليه نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، وكيف نقدم لأبنائنا في الغرب هذه القيم، وكيف نَفهم عالمية رسالة الإسلام ومرونته، وتقديره للعلم، ونحن في هذه النازلة نصر على أمية أمة الإسلام، وأنها لا تكتب ولا تحسب؟ وهل يستقيم هذا الحال مع كونه الرسالة الخاتمة رسالة الرحمة للعالمين؟!

 

لقد صرفتنا هذه القضية عن قضايانا الكبرى التي ترتبط بوجودنا الإسلامي في الغرب، وتتصل بتوطين الإسلام في أوربا، كما بددت الطاقات الفكرية والعلمية للعلماء والباحثين في هذه النازلة على حساب ما هو أهم وأولى.

 

وإنا لنرجو أن تكون هذه الصفحات منهية للنقاش والجدال حول هذه القضية إلى أن يأذن الله بوحدة أعظم وأشمل للمسلمين في قابل الأعوام، وما ذلك على الله بعزيز.

 

ويمكننا تلخيص النازلة والموقف الشرعي منها في نقاط:

أولاً: ما انتهت المؤسسات والهيئات الإسلامية التي تمثل المسلمين في ألمانيا إلى الأخذ به

ثانياً: واقع المسلمين في ألمانيا والسبيل الأمثل لتوحيدهم صوما وفطراً

ثالثاً: الجانب الفقهي في النازلة

رابعاً: الجانب العلمي

خامساً: القواعد والركائز الفقهية الحاكمة على النازلة

 

أولاً: ما انتهت المؤسسات والهيئات الإسلامية التي تمثل المسلمين في ألمانيا إلى الأخذ به

انتهت المرجعيات الفقهية والإفتائية والسياسية التي تمثل المسلمين في ألمانيا إلى الأخذ بما أخذ به الأتراك في مؤتمر أسطنبول عام 1978 ، وعدل المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث قراره في مسألة الهلال وذلك في دورته العادية التاسعة عشرة المنعقدة في استانبول في الفترة 8-12 رجب 1430هـ الموافق 30 حزيران – 4 تموز (يوليو) 2009 م، وأصبح بذلك متوافقا مع ما يسير عليه الأتراك، وعليه أصبحت أهم وأشهر المؤسسات والهيئات الممثلة للمسلمين في ألمانيا متوافقة على الأخذ بما يأخذ به الأتراك في الصوم والفطر في ألمانيا وهي: المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، اللجنة الألمانية الإسلامية العلمية للأهلة، مجلس التنسيق الإسلامي الأعلى

 ، هيئة العلماء والدعاة بألمانياKrm

بالإضافة إلى المراكز الإسلامية الكبرى التي تتبعها مراكز وجمعيات كثيرة في ألمانيا، كالمركز الإسلامي في آخن، والمركز الإسلامي في ميونخ، على أننا لم نذكر مؤسسات وجمعيات الأتراك لأن الإشكال لا يتعلق بها كما هو معلوم.

ويتلخص قرار المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث الذي أخذت به هذه المؤسسات والذي توافق مع الأتراك أن الشهر يدخل إذا كانت هناك إمكانية لرؤية الهلال بالعين المجردة أو بالاستعانة بآلات الرصد في أي موقع على سطح الأرض، وذلك بشروط علمية وفلكية دقيقة جدا يستحيل معها الخطأ، وقد قرر المجلس أن يصدر تقويماً سنوياً يحدد بداية الشهور القمرية ونهايتها استناداً إلى هذا القرار.

 

ثانياً: واقع المسلمين في ألمانيا والسبيل الأمثل لتوحيدهم صوما وفطراً

 

لا يخفى أثر فهم وإدراك الواقع في إنتاج حكم شرعي منضبط، ومعرفة الواقع لا تقل أهمية عن فهم وإدراك النص، ولهذا قال الإمام ابن القيم: (المفتى الذي يفتى إنسانا قبل أن يسأله من أي بلد جئت مخطيء حتى ولو أصاب) ومعلوم أن قضية هلال رمضان قتلت بحثا، وشرحت تشريحا في المجامع الفقهية والمؤتمرات العلمية والندوات الجماهيرية، ويبقي تنزيل الرأي الفقهي المختار على الواقع الماثل أمامنا، ويلاحظ أن كل قطر أوربي له خصوصيته، تبعا لنسب الجاليات وتوجهها الفقهي فيه، وواقعنا في ألمانيا يتلخص في الآتي:

 

 1- وفق دراسة ميدانية فإن عدد المسلمين في ألمانيا عام 2009 يتراوح بين 3.8 و 4.3 ملايين نسمة منهم 3 مليون و300 ألف من الأتراك وقرابة 400 إلى 500 ألف من الألبان والبوسنويين والجنسيات الأخرى التي تتبع الأتراك في موقفها من الهلال، وهذا يعني أن الإشكال ينحصر في الشريحة العربية التي يقترب عددها من 400 ألف، تلك الشريحة تنقسم على نفسها عادة، منهم من يتبع السعودية، ومنهم من يتبع بلده، وهذه الفئة بمساجدها لا تلتفت إلى الأتراك ولا تعتبر وجودهم شيئا رغم كثرتهم، ولا يأخذون برأيهم في الأمور الفقهية، وهذا أمر نتج عن الفصل بين العرب والأتراك في ألمانيا، وإن بدأ هذا الفصل في التراجع والتغيير إلى الأفضل في السنوات الأخيرة بفضل الله تعالى. 

2- يلتزم الأتراك بقرار هيئاتهم الإفتائية، وقد فرغوا من موضوع الهلال وحسموه منذ سنين.

3-  لا يمكننا الحديث عن مكاسب سياسية للمسلمين في ألمانيا، أو منحهم بعض حقوقهم كالإجازات في الأعياد الخاصة بهم، فضلا عن أن يعترف بالدين الإسلامي رسميا من قبل الدولة، أو أن يشكل المسلمون كتلة تصويتية في الانتخابات تؤثر إيجابيا في مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.

لا يمكننا تحقيق شيء من هذا كله أو بعضه دون اتفاق على يوم واحد للعيد تحدده مرجعية واحدة تمثل المسلمين في ألمانيا.

4- تحتاج السلطات المختلفة في ألمانيا كالشرطة، والتعليم، وغيرها إلى معرفة يوم العيد قبله بمدة كافية وليس يوم العيد، كما يحتاج المسلمون لمعرفة يوم العيد قبله بشهور لحجز قاعات وأماكن الصلاة، وتجمع المسلمين لصلاة العيد في مكان واحد في المدن المختلفة أمر لا يخفى أثره الإيجابي على المسلمين في أوربا، وقد حدث في بعض المدن الألمانية أن اجتمعت جميع مساجدها على اختلاف جنسياتها وتوجهاتها في صلاة العيد في مكان واحد، وهو أمر قابل للتكرار في مدن أخرى، وما كان له أن يقع إلا بعد هذا القرار.

 

5- أغلبية العرب الذين كانوا يخالفون قرار الهيئات الإفتائية في ألمانيا عادوا إلى الموافقة عليها والالتزام بها، بعد التوعية والتثقيف الذي تم من قبل الأئمة، وذلك بحسب الاستطلاع الذي أجرته هيئة العلماء والدعاة بألمانيا، وهذا يعني أن أكثر من 90% من مسلمي ألمانيا يلتزمون فعليا بالقرار، وعلى سبيل المثال فقط لننظر إلى برلين كأكبر تجمع عربي في ألمانيا، سنجد أن جميع مساجدها التزمت بالقرار العام الماضي.

6- الدراسات واللقاءات المستفيضة التي نظمتها هذه الهيئات انتهت إلى أن هذا الرأي هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يحقق الوحدة للمسلمين في ألمانيا، ويحافظ لهم على المكتسبات التي كسبوها، ومآلات ونتائج الاختيارات الأخرى سلبا أكثر من أن تحصى، يكفي أن نعلم أننا بسوء فهمنا وتعاملنا مع هذه النازلة نجعل سمعة الإسلام، كدين حضاري في خطر لا يمكن تبريره، سواء أمام المسلمين أو غير المسلمين، لأن عدم اتفاقنا على صيغة للتوحد في هذه المسألة يعنى تناقض الإسلام الذي يدعو إلى العلم ويرفض الحسابات الفلكية، ويدعو إلى الاعتصام والوحدة، وأتباعه متفرقون رغم إمكان توحدهم.

إننا أمام هذا الواقع نتساءل بوضوح: إذا أردنا صيغة تجمع وتوفق وتوحد أتكون بنزول الأكثرية (الأتراك) على رأي الأقلية أم العكس، أو أتكون بمن يلتزم بقرار مرجعيته فعليا ولا يتعالم عليها، أم بمن ينقسمون عليها؟ أظن الإجابة واضحة.

يبقى السؤال الحقيقي الذي يحتاج إلى إجابة شافية هو: هل الرأي الفقهي الذي اعتمده الأتراك ووافق عليه المجلس الأوربي للإفتاء رأى متجه وصحيح من الناحية الفقهية، أم شاذ وضعيف ولا يصلح للعمل أو الأخذ به؟ وهو ما نطرحه في النقطة التالية.

ثالثاً: الجانب الفقهي في النازلة

ويتلخص في عدة أسئلة والجواب عنها:

1- هل النصوص النبوية تمنع الأخذ بالحسابات الفلكية؟

يظن البعض أننا عندما نأخذ بالحسابات الفلكية في الصوم والفطر فإننا نعارض السنة التي تأمر بالرؤية البصرية والمتمثلة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، والحق الذي قرره العلماء المعاصرون أن الحسابات الفلكية تطبق الحديث بدقة متناهية، ذلك أن الرؤية البصرية المأمور بها في الحديث هي وسيلة صالحة لزمانهم مقدور لهم عليها، ويمكن أن تتغير إذا وجد ما هو أفضل وأضبط منها، فهي وسيلة متغيرة لهدف ثابت، وهذا الهدف هو معرفة دخول الشهر وصيامه كاملا دون إضافة أو نقصان، والمثال الذي يقرب المعني هنا هو فهم الأحاديث الآمرة بالتسوك، أن الهدف هو تنظيف الأسنان ووسيلته المقدور عليها لهم وقتها كانت أعواد السواك، فإذا وجد في زماننا فرشاة ومعجون وغيرها من الأدوات لتنظيف الأسنان على نحو أكمل تطييب معه رائحة الفم كان المصير إليها واجبا، لأن السنة تتحقق معها أفضل من غيرها كما لا يخفى.

فالحسابات الفلكية لا تعارض الحديث بل تمنع الزيغ والخطأ في تطبيقه ، كما هو الواقع المشاهد في بعض البلدان التي ترفض الأخذ بالحسابات الفلكية وتصر على الرؤية البصرية، والنتيجة الخطأ اليقيني في الإعلان عن دخول الشهر رغم استحالة رؤية الهلال، لأنه لم يولد أصلا ولا يري إلا بصعوبة في اليوم التالي؟!!

وقد أطلق بعض العلماء المعاصرين على الحسابات الفلكية الرؤية العلمية، وهذا الاصطلاح يؤكد عدم معارضة الحسابات للسنة ولحديث الرؤية البصرية.

أما حديث: (نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب…) فهو حديث يصف واقع الأمة وقتها، أى أنها لا تعرف الحساب ولا الكتابة فكيف تؤمر به وهي لا تعرفه، لكن الحديث لم ينف تعلم الحساب والكتابة والعمل بهما في الحياة، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم فداء الأسير من غير المسلمين في غزوة بدر، أن يعلم عشرة من الصحابة القراءة والكتابة، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:( „لا نكتب ولا نحسب“ بالنون فيهما، والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته في تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة. والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير).

والعجيب أننا نأخذ بالجزء الأول من الحديث فنرفض الحسابات الفلكية، ونأخذ بالجزء التالي وهو الكتابة رغم أنه معطوف عليه ويأخذ حكمه، فإذا منعنا الحسابات الفلكية، علينا كذلك أن نمنع الكتابة؟!

إن الحسابات لا شك أوثق وأضبط في إثبات الهلال من الاعتماد على شاهدين ليسا معصومين من الوهم وخداع البصر، ولا من الكذب لغرض أو مصلحة شخصية مستورة، مهما تحرينا للتحقق من عدالتهما الظاهرة التي توحي بصدقهما، وكذلك هو -أي طريق الحساب الفلكي- أوثق وأضبط من الاعتماد على شاهد واحد عندما يكون الجو غير صحو والرؤية عسيرة، كما عليه بعض المذاهب المعتبرة في هذا الحال.

 

2- هل صحح أحد من الفقهاء السابقين الاعتماد على الحسابات الفلكية في الصوم والفطر؟

أ- نعم قال بجواز الاعتماد على الحسابات الفلكية في الصوم عدد من الفقهاء المتقدمين منهم: مطرف بن عبدالله من التابعين، والقشيري، والعبادي من فقهاء الشافعية، وابن سريج من الشافعية،وابن قتيبة، وابن مقاتل، والرازي، والإمام ابن دقيق العيد، وهذا نص ذهبي رائع له ينطبق تماما على حالتنا يقول: ( إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلا، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي وليس حقيقة الرؤية بشرط من اللزوم، لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدة أو بالاجتهاد بالإمارات إن اليوم من رمضان، وجب عليه الصوم وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه ) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ص 268

ومن المعاصرين: الشيخ المطيعي، وطنطاوي جوهري، والمراغي، ورشيد رضا، والقاسمي، وأحمد شاكر، ومصطفى الزرقا، وعلى الطنطاوي، ويوسف القرضاوي.

ب- رفض الفقهاء الأوائل اعتماد الحساب في تحديد بداية الشهر القمري للصوم والإفطار لسببين:

الأول: أنه ظني مبني على الحدس والتخمين، حيث لم يكن في وقتهم علم الفلك قائمًا على رصد دقيق بوسائل محكمة .

الثاني: إن الفقهاء الأوائل واجهوا أيضًا مشكلة خطيرة في عصرهم، وهي الاختلاط والارتباط الوثيق إذ ذاك في الماضي بين العرافة والتنجيم والكهانة والسحر من جهة، وبين حساب النجوم (بمعنى علم الفلك) من جهة أخرى، وهو ما ينبني عليه انسياق الناس إلى التعويل على أولئك المنجمين والعرافين الذين يحترفون الضحك على عقول الناس بأكاذيبهم، وترهاتهم، وشعوذاتهم.

وسبحان الله رغم ذلك انتشر في عصرنا السحر والخرافة والعرافة والتنجيم أضعاف ما كان في عصرهم رغم الحذر برفض الأخذ بالحسابات الفلكية في مسألة الصيام والإفطار.

وإن كان بعضهم كالإمام النووي صرح بجواز اعتماد حسابهم لتحديد جهة القبلة ومواقيت الصلاة دون الصوم، مع أن الصلاة في حكم الإسلام أعظم خطورة من الصوم بإجماع الفقهاء، وأشد وجوبًا وتأكيدًا.

 3- هل الأصح الأخذ بوحدة المطالع أم اختلافها؟

هذه مسالة دقيقة في موضوعنا وهي هل الأرجح الأخذ بوحدة المطالع (يعني إذا ثبت الهلال في بلد لزم البلدان الأخرى الصوم أوالفطر) أم اختلاف المطالع ويعني: (لكل بلد رؤيته ويمكن أن يخالف البلد الآخر وإن اقترب منه) وبالأول وهو وحدة المطالع نأخذ نحن في أوربا فمتى أمكن رؤية الهلال فلكيا في أي مكان في العالم يشترك معنا في جزء من الليل، وكان ذلك مقطوعا به بشروط علمية دقيقة فقد ثبت الشهر، وبالثاني وهو اختلاف المطالع تأخذ المغرب وغيرها من الدول العربية، ولهذا فإن المغرب تخالف دائما البلدان العربية حتى في هلال ذي الحجة، ومعلوم أنها من أدق وأضبط الدول في رؤية الهلال لكنها تأخذ بالرؤية المحلية عملا باختلاف المطالع.

نقل النووي عن ابن المنذر أن القول بوحدة المطالع وعدم اعتبار اختلافها هو قول الأئمة الأربعة، والليث بن سعد وأكثر الفقهاء، وإن اختلف أتباعهم فيه بعد ذلك، والعلامة الشوكاني نقل اختلاف العلماء في المسألة ثم رجح وحدة المطالع فقال: والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية، وجماعة من الزيدية، واختاره المهدي منهم، وحكاه القرطبي عن شيوخه أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها.([1] )

معلوم أن أوائل الشهور لا تختلف باختلاف الأقطار أو تباعدها، وإن اختلفت مطالع القمر، والذين ذهبوا من العلماء إلى القول باختلاف المطالع إنما قالوه باعتبار الرؤية وتباعد الأقطار وصعوبة وصول الخبر تلك الأقطار ؛ لأن أول الشهر يجب أن يكون في هذه الكرة الأرضية يوما واحدا، والحديث صريح بين والخطاب فيه عام ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) لرؤيته في أي مكان

جميع المجامع الفقهية المعاصرة ترجح القول بوحدة المطالع فيما عدا المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة    التابع لرابطة العالم الإسلامي الذي ذهب إلى القول باختلاف المطالع.

وهذا يعني بجلاء ووضوح أن الرأي الذي أخذنا به في ألمانيا هو رأي جمهور الفقهاء قديما وحديثا وليس رأيا شاذا أو ضعيفا.

4- هل تعتبر الكثرة من الناس مرجحا في مسألة الصوم والفطر؟

يعني إذا كانت الأكثرية من المسلمين في ألمانيا تصوم وتفطر تبعا لهذا الرأي، والأقلية تخالفها لعدم قناعتها الفقهية بهذا الرأي، فهل تصلح الكثرة مرجحا للعمل به في مسألة الصوم والفطر؟

نعم تعتبر بدليل ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) وقد صحح الحديث الشيخ أحمد شاكر ورد على قول الترمذي إنه حديث غريب ، وذكر له طرقا عديدة يقوي بعضها بعضا، كما صححه الألباني ومعناه كما قال الترمذي في السنن: الصوم والفطر مع الجماعة وعُظم الناس أي معظمهم، وقال تقي الدين السبكي في فتاويه معنى الحديث: إذا اتفقوا على ذلك فالمسلمون لا يتفقون على ضلالة والإجماع حجة. ([2] )

وقال الخطابي في معالم السنن : „معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، فلا شيء عليهم من وزر أو تعب“([3] )

أن جمهور الفقهاء، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية يرون فيمن صام في بلد وعيد في بلد آخر – وعليه ربما صام 28 يوما أو 31 يوما – يصوم ويفطر مع الناس، وإن نقص شهره يوما قضاه بعد رمضان استنادا إلى حديث الترمذي السابق.

الرابعة: الجانب العلمي

لقد أصبح من المقرر المعروف عالميا: إن احتمال الخطأ في التقديرات العلمية الفلكية اليوم هو نسبة 1- 100000 في الثانية!!

فهل يعقل أن ينهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن علم يبين نظام الكون، وقدرة الله تعالى وحكمته وعلمه المحيط في إقامة الكون على نظام دقيق لا يختل، ويدخل في قوله تعالى في قرآنه العظيم: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، فليس لهذا الحديث النبوي محمل إلا على تلك الشعوذات والأمور الباطلة؛ التي خلط أولئك المنجمون بينها وبين الحساب الفلكي، الذي لم يكن قد نضج وبلغ في ذلك الوقت مرتبة العلم والثقة.

أما اليوم في عصرنا هذا الذي انفصل فيه منذ زمن طويل علم الفلك بمعناه الصحيح عن التنجيم بمعناه العرفي من الشعوذة، والكهانة، واستطلاع الحظوظ من حركات النجوم، وأصبح علم الفلك قائمًا على أسس من الرصد بالمراصد الحديثة، والأجهزة العملاقة التي تكتشف حركات الكواكب من مسافات السنين الضوئية، وبالحسابات الدقيقة المتيقنة التي تحدد تلك الحركات بجزء من مئات أو آلاف الأجزاء من الثانية، وأقيمت بناء عليه في الفضاء حول الأرض محطات ثابتة، وتستقبل مركبات تدور حول الأرض… إلخ.. فهل يمكن أن يشك بعد ذلك بصحته ويقين حساباته، وأن يقاس على ما كان عليه من البساطة والظنية والتعديل في الماضي زمن أسلافنا -رحمهم الله-؟!

إن كل من يرفض الحسابات الفلكية في الصيام يأخذ بها في المواقيت وتحديد اتجاه القبلة، رغم أنهما أشد خطرا من الصيام لتكرارهما في اليوم الواحد بخلاف الصيام

الهيئات الإفتائية، والمؤتمرات العلمية التي اعتمدت العمل بالحساب في معرفة دخول الشهر، على اختلاف في تفاصيل التطبيق جمعا بين الحساب والرؤية، أو استقلالا للحساب، أو أخذا به في حالة دون أخرى:

1-           مؤتمر علماء ماليزيا 4-10 صفر 1389هـ 21-27 نيسان إبريل 1969م

2-           لجنة الإفتاء في الجزائر 1972م

3-           مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية القاهرة 1972م

4-           لجنة التقويم الهجري الموحد استانبول 1978م

5-           مؤتمر علماء الشريعة والفلك لندن 1984م

6-           مجمع الفقه الإسلامي الدولي أكتوبر 1986م

7-           مؤتمر علماء الفلك حول التقويم القمري الهجري 1987م

8-           ندوة الأهلة والمواقيت الكويت 1989م

9-           المراكز والمنظمات الإسلامية في ألمانيا بصدد رؤية الأهلة وتوحيد التقويم الهجري والأعياد. يناير 1993م

10-     قرار المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث مايو 1999م، ويونيو 2009م

11-     المؤتمر الشرعي الفلكي المنعقد بمدينة سوستربورخ بهولندا يونيو 2008م

 

خامساً: القواعد والركائز الفقهية الحاكمة على النازلة

ذكر الفقهاء جملة هائلة من القواعد الفقهية التي قامت عليها الأدلة والأسانيد من الكتاب والسنة ومن هذه القواعد التي تتفرع عليها نازلتنا هذه القواعد التالية:

1- حكم الحاكم يرفع الخلاف

ومعنى القاعدة أن ولي الأمر (الحاكم) -سواء أريد به القاضي أو السلطان- إذا اختار أو تبنى رأياً من الآراء الاجتهادية في الشريعة، ولو كان مرجوحاً يرتفع به النـزاع بين الناس ويلزمهم العمل بالقول الذي اختاره وارتضاه، ولا يخفى أن هذه الهيئات والمؤسسات الإفتائية والسياسية في ألمانيا تقوم مقام الإمام الذي يرتفع الخلاف باختياره، وهذا إذا كان اختياره مرجوحا فكيف إذا كان راجحا قامت عليه الأدلة التي ذكرناها.

قال الشيخ محمد العثيمين – رحمه الله – في مجموع الفتاوى ( 19 / 41 ) في مسألة الرؤية هل تلزم جميع البلاد أم لا؟
قال الشيخ – رحمه الله – : ولكن إذا كان البلد تحت حكمٍ واحدٍ ، وأمر حاكم البلاد بالصوم ، أو الفطر وجب امتثال أمره ؛ لأن المسألة خلافية ، وحكم الحاكم يرفع الخلاف .

 

2- للأكثر حكم الكل

فإذا كان قرابة 90 % من مسلمي ألمانيا يلتزمون بالقرار فلهم حكم الكل.

3- حق الأمة مقدم على حق الفرد

وهذا يعني أن حق بعض الأفراد أو المساجد في ألمانيا الذين يخالفون هذا الرأي –وخلافهم معتبر- يسقط أمام حق الأمة والجماعة التي ارتبطت مصالحها في ألمانيا به كما مر.

4- الظني لا يقاوم القطعي ولا يقدم عليه

فشهادة الشهود والرؤية البصرية المجردة ظنية، والحسابات قطعية، فكيف يقدم الظني على القطعي، والضعيف على القوي، والموهوم على المعلوم.

5- الأمور بمقاصدها

والحسابات الفلكية محققة لمقصود الحديث ورفضها مناف لمراده ومقصوده، كما أن هذه الفتوى تحقق جملة من المقاصد الجزئية الخاصة والكلية العامة للمسلمين في ألمانيا، وقد مر بعضها في النقاط السابقة.

6- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

فإذا كانت وحدة المسلمين في ألمانيا لا تتم إلا بتبني هذا الرأي، ومقاصد وأهداف وجودهم في الغرب لا تتحقق إلا به، وكل ذلك واجب، كان الأخذ بهذا الرأي والمصير إليه كذلك واجب.

سادساً: تبنى هذا الرأي وتطبيقه يمثل النموذج الفقهي الذي ننشده في الغرب والذي يراعي خصوصية الأقلية وضعفها ويظهر المباديء الموجهة لفقه الأقليات في الغرب والتي منها:

 أ- التطلع إلى التعريف بالإسلام

الاختيارات الفقهية في الغرب لابد أن يلاحظ فيه البُعد الدعوي، وأن يستصحب خصوصيات ما تقوم به الدعوة في الظروف الأوربية بمعطياتها النفسية، والثقافية، والاجتماعية، والفكرية، فنكون أمام فتاوى وأحكام تبسط من روحها الدينية السمحة إلى النفوس الحائرة، والأفكار الضالة، والعلاقات الاجتماعية المتأزمة ما تنفتح له طبيعتها بما تجد فيه من أمل العلاج لأزمتها، فتقبل على الدين من خلال هذا الفقه.

فهل يتحقق هذا المقصد التعريفي للإسلام برفض الحسابات التي تعنى قمة العلم، والبقاء في حالة التفرق والتشرذم، وتقديم نصوص الدين على نحو يشعر بالتناقض والتعارض، وعندها سيتضح لنا بطلان دعوى استفادة الغرب من الإسلام، فإذا كان المسلمون لم ينتفعوا به في تنظيم حياتهم فكيف ينفع غيرهم؟!

ب- التأصيل لفقه حضاري

يعيش المسلمون في الغرب في حالة حضارية عاتية ويحتاجون مع هذه الحالة الحضارية أن يؤخذوا بفقه حضاري كذلك، يكافيء في عيونهم نفسيا وفكريا وفي أثره على حياتهم نفعيا، ذلك النموذج الحضاري الذي يتعرضون لسطوته أو يشف عليهم.

وإذا لم يؤخذ المسلمون بهذا الفقه فمعناه أننا نقصر الدين في إطار العلاقة الروحية بين العبد وربه، أما تنظيم شؤون الحياة الاجتماعية وتنظيم علاقة الإنسان بالمقدرات الكونية فلا صلة للإسلام به، الأمر الذي يقوض فكرة الدعوة إلى الإسلام، فضلا عن أن يحفظ على الأقلية المسلمة دينها في الغرب؛ لأن النموذج الحضاري الآخر سيكون أقوى وأسرع حضورا في الذهن، وهذا ما نلاحظه في الجيل الثاني والثالث من أبناء المسلمين في مدارسهم وجامعاتهم، إذا يرى نفسه وهو المنتسب إلى رسالة الإسلام الخاتمة والأمة الشاهدة على الناس، في هذه الفوضى، وعدم التوحد أو النظام، ورفض العلم في الوقت الذي يجب أن يفرح فيه ويبتهج بالعيد مع كل زملائه من المسلمين على اختلاف أجناسهم وأعراقهم، بل يرى ثلاثة أعياد لزملائه الذين ينتسبون جميعا لأمة واحدة ونبي واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة، وهو لا يشعر للعيد بفرحة لأنه لابد أن يدرس أو يعمل.

 بينما يرى في المشد الحضاري الغربي الآخر النموذج المتحضر المنظم، الذي يشعر حقا بقيمة العيد والوحدة ويفرح به، وهذا من شأنه كذلك أن يلقي بظلال نفسية واجتماعية سلبية لا تخفى، ولا يمكن أبدا أن لا يكون لما ذكرنا أثر في الفتوى أو الاختيار الفقهي.

ج- التأصيل لفقه جماعي

إننا ننشد للمسلمين في الغرب فقها لا يقف عند حد تزكية الفرد في خوافي نفسه وظواهر أعماله بأحكام الشريعة ليظهر بخلاصه الفردي، وإنما ننشد فقها يكون منطلقا لتزكية الجماعة المسلمة، والجماعة الإنسانية في حياتها المشتركة لتكون مهدية فيها بحكم الشريعة، فتنتهي إلى الفلاح الجماعي في إثمار الحياة بالتعمير في الأرض، وإلى الخلاص الجماعي من شرور  الدنيا وحساب الآخرة، والأقلية المسلمة في الغرب تعيش في مناخ أوربي متطور ومتعاون ومنظم وتغلب فيه النزعة الجماعية على الفردية.

فإذا لم يكن الفقه المبتغى منه معالجة حياة المسلمين بالمجتمع الأوربي فقها جماعيا يشرع للإدارة المؤسسية، كما يشرع للتكافل المادي والمعنوي، بحيث يكافيء في بعده الجماعي جماعية القانون الوضعي، أو يفوقها ضعف في إدارة حياة المسلمين من جهة، وضعف في تقديم أنموذج حضاري إسلامي من جهة أخرى، فقصر إذن عن تحقيق حفظ الدين في حياة المسلمين، فضلا عن تمكين الإسلام بالديار الأوربية.([4])

وتبنى آراء فقهية فردية كما هو الحال في نازلتنا تلك تلبي وتشبع احتياجات وقناعات فردية، وتغفل حاجات الجماعة يضاد ويناقض ما يجب أن يكون عليه فقه الأقلية في الغرب، ليحقق أهدافه وينتج مقاصده.

 

رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.

 

وكتبه

د/ خالد حنفي

رئيس هيئة العلماء والدعاة بألمانيا   

 فرانكفورت في 25 رمضان 1432هـ 25 أغسطس 2011م

 

 

 


 [1]

نيل الأوطار 4 /267

 

  [2]

 فتاوى السبكي 1/225

 [3]

معالم السنن 2/95،96

 

[4]

راجع نحو منهج أصولي لفقه الأقليات د عبدالمجيد النجار ص43

 

Kommentare deaktiviert für أول أيام عيد الفطر المبارك

Eingeordnet unter Uncategorized

Die Kommentarfunktion ist geschlossen.